الشيخ داود الأنطاكي

62

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

الجواهر كالماء واللبن ، أو للتقييد من حدهما لمشاكلة خفية كالزئبق وقشور الرمان ، ومنها ما يعسر اختلاطه ، اما لخفة أحد الجوهرين كالدهن والماء ، أو لمنافرة طبيعية كالنحاس والقلعي ، ومنها ما هو أرجح في الكيفية والطعم فيؤثر قليله في كثير الآخر كالصبر « 1 » والمسك « 2 » ، مع العسل ، وتقدير مثل هذه يسمى كيفياً لا كمياً ، وهو في غاية الدقة وبينهما وسائط . فهذه أحكام الأمزجة الواقعة من الأثير إلى المركز . وحيث فصلنا ما يدل على الكل فلنجعل النوع الأشرف مثلًا في التفصيل يقاس عليه فنقول . قد حصرت الأمزجة في ثمانية عشر قسماً ، تسعة بالعقل ، وهي المعتدل من العدل في القسمة : بأن تكون الاخلاط متساوية في شخص كمّاً وكيفاً . وهل لهذا وجود في الخارج أم لا ؟ قال المعلم وفرفوريوس ، والصابئ والشيخ نعم ؛ لامكانه ولو بالصناعة ، ويوضحه تحليل أجزائه . ومنعه جالينوس والملطى « 3 » وغالب أهل الصناعة ؛ لتعذر الوصول إلى الكم وتعسره في الكيف وعدم ضبط الطوارئ ، وهو الحق ؛ لأنا نعجز عن تحرير الهواء ؛ ولأن تعادل الكيف لا يتيسر مع تعادل الكم في هذه الأخلاط ؛ لتأثر كثير البلغم بيسير الصفراء كما مر في الصبر والعسل سلمنا وجوده ، لكن لا يتم . والثمانية هي أن نوع الانسان تحته صنف التركي ، وفي ذلك الصنف أشخاص مختلفة وأعضاء الشخص الواحد كذلك ، فإذا قسمت الانسان إلى ما خرج عنه كالفرس كان أعدل ، وإلى ما دخل فيه كحكيم بالنسبة إلى جاهل بالتلائم كان الحكيم أعدل ، وهكذا الصنف والشخص والعضو . وتسعة بالاصطلاح عند الأطباء معتدل من التعادل ، وهو التكافؤ كشخص صحيح في نفسه وإن كان زائداً في بعض الكيفيات ، وأربعة مفردة ، وهي أن يكون الغالب على الشخص أحد الكيفيات الأربعة . وأربعة مركبة ، وهي أن تغلب كيفيتان معاً ، لكن غير متضادتين ؛ لعدم تصور ذلك ، هكذا قرروه . وعندي : أن المفردة لا وجود لها اصلًا ؛ لأن الشخص إذا غلبته الحرارة ، فان كانت مع يبس فصفراوي أو رطوبة

--> ( 1 ) الصَبِر : بكسر الموحدة ، ويقال صبّارة . أضلاعه كالقرنَبيط واعرض ، وعلى أطرافها شوك صغار ، وتعيش أين وضعت كالعنصل ، وتكتفي بالهواء عن الماء ، وإذا عتقت قام في وسطها قضيب نحو ذراع يحمل ثمراً كالبلح الصغير أخضر ويحمر عند استوائه ، وهذا الثمر منه دقيق الطرفين يسمَّى ( ( أنثى ) ) ومتناسب غليظ هو ( ( الذكر ) ) . والصبر عصاره هذه الأضلاع . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 502 ) . ولاحظ : ( الجامع لابن البيطار ج 3 ، ص 104 ) . ) ( 2 ) المِسْك : دم ينعقد في حيوان دون الظباء قصير الرجل بالنسبة إلى اليد ، له نابان معقوفان إلى الأرض وقرنان في رأسه ينعوجان إلى ذنبه شديد البياض ، فيهما منافس يستنشق منها الهواء عوض المنخرين ، حكاه في المُرُوج عن مشاهده . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 659 ) . وحكاه ابن واقد أيضاً عن المعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر . لاحظ : ( الجامع لمفردات الأدوية والأغذية ج 4 ، ص 444 ) . ( 3 ) هو : ابن وصيف الصابئ : كان طبيباً عالماً بعلاج امراض العين ، ولم يكن في زمانه اعلم منه في ذلك ، ولا أكثر مزاوله . ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 287 ) . )